تقدّم الكاتبة آنا بورشيفسكايا قراءة تحليلية معمّقة لمسار السياسة الروسية في الشرق الأوسط، حيث تشرح كيف تعيد موسكو تموضعها الاستراتيجي رغم الحرب في أوكرانيا والعقوبات الغربية المتصاعدة.
وتكشف أن روسيا تتحرك وفق رؤية عالمية لا تتوقف عند حدود أوروبا، بل تمتد إلى الشرق الأوسط بوصفه ساحة مركزية في صراع النفوذ الدولي، ما يجعل المنطقة جزءًا من حسابات الأمن العالمي الجديدة التي تتشكل تدريجيًا مع تصاعد الاستقطاب بين القوى الكبرى.
ينشر معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى هذا التحليل الذي يربط بين التحولات الجيوسياسية العالمية وبين الحضور الروسي المتزايد في الشرق الأوسط، موضحًا أن موسكو لا تتعامل مع الإقليم كملف ثانوي، بل كجزء من مشروع استراتيجي طويل الأمد يهدف إلى توسيع النفوذ السياسي والعسكري والاقتصادي في مناطق تتقاطع فيها مصالح الطاقة والممرات البحرية والتحالفات الإقليمية الحساسة.
روسيا بعد أوكرانيا: استراتيجية توسع تتجاوز الجغرافيا الأوروبية
تنطلق روسيا في رؤيتها الجديدة من فرضية أساسية تقوم على استمرار المواجهة مع الغرب، حتى بعد انتهاء الحرب في أوكرانيا. وتتحرك القيادة الروسية وفق تقدير يرى أن الصراع مع الناتو لا ينحصر في الجغرافيا الأوروبية، بل يمتد إلى مناطق النفوذ العالمي، حيث تسعى موسكو إلى تثبيت حضورها في الشرق الأوسط باعتباره امتدادًا طبيعيًا لتوازن القوى الدولي.
تعزز روسيا هذه الاستراتيجية عبر توظيف أدوات متعددة تشمل التعاون العسكري، وصفقات السلاح، والعلاقات مع القوى الإقليمية التي تبحث عن بدائل للنفوذ الغربي. وتستثمر موسكو في حالة التعدد القطبي التي تتشكل عالميًا، فتقدم نفسها كشريك لا يفرض شروطًا سياسية صارمة، بل يركز على المصالح المباشرة والتبادل الاستراتيجي، ما يمنحها مساحة حركة أوسع داخل بيئات سياسية معقدة.
الشرق الأوسط في الحسابات الروسية: نفوذ يتوسع وسط الفراغات الدولية
تتعامل موسكو مع الشرق الأوسط كمنطقة مفتوحة لإعادة توزيع النفوذ الدولي، مستغلة التوترات المستمرة بين القوى الإقليمية وتراجع بعض الأدوار الغربية التقليدية. وتعمل روسيا على ترسيخ وجودها في ملفات متعددة تشمل سوريا وإيران والخليج، حيث توظف العلاقات السياسية والعسكرية لتعزيز حضورها كلاعب لا يمكن تجاوزه في أي معادلة أمنية أو تفاوضية.
تستفيد السياسة الروسية من حالة السيولة الجيوسياسية في المنطقة، فتدخل عبر بوابات الطاقة والتسليح والدبلوماسية متعددة الاتجاهات. وتربط موسكو بين حضورها في الشرق الأوسط وبين قدرتها على التأثير في أسواق الطاقة العالمية وممرات التجارة الحيوية، ما يجعل الإقليم جزءًا من شبكة أوسع من المصالح الروسية الممتدة من أوروبا إلى آسيا وأفريقيا.
إيران والحرب الأوكرانية: تداخل ساحات الصراع وتوازنات دقيقة
تظهر إيران كأحد أهم مفاتيح السياسة الروسية في الشرق الأوسط، حيث تتقاطع المصالح بين البلدين في ملفات متعددة تشمل التعاون العسكري والتنسيق السياسي في مواجهة الضغوط الغربية. وتستفيد موسكو من علاقتها مع طهران في تعزيز قدرتها على المناورة في ظل العقوبات، بينما تستفيد إيران من الدعم الروسي في مواجهة العزلة الدولية.
تنعكس الحرب في أوكرانيا على هذا التوازن، إذ تدفع روسيا إلى تعزيز شراكاتها خارج أوروبا لتخفيف الضغط الاستراتيجي، في حين تجد إيران في هذا التقارب فرصة لتوسيع هامش تحركها الإقليمي. ويخلق هذا التداخل بين الساحتين الأوروبية والشرق أوسطية شبكة معقدة من العلاقات التي تعيد تشكيل خريطة النفوذ في المنطقة، حيث تتداخل الحسابات العسكرية بالاقتصادية والدبلوماسية بشكل متسارع.
مستقبل النفوذ الروسي: بين التحديات الغربية وفرص التوسع الإقليمي
تواجه روسيا تحديات متزايدة نتيجة العقوبات الغربية وتراجع بعض قدراتها الاقتصادية، لكنها في المقابل تستثمر في الفراغات السياسية الدولية لتعزيز حضورها الخارجي. وتعمل موسكو على إعادة تعريف دورها العالمي باعتبارها قوة قادرة على التأثير في أكثر من ساحة في الوقت نفسه، مستفيدة من تعدد الأزمات الدولية وتداخلها.
يرسم هذا التحول ملامح مرحلة جديدة في الشرق الأوسط، حيث لا تقتصر المنافسة على القوى التقليدية فقط، بل تمتد لتشمل لاعبين عالميين يسعون لإعادة صياغة موازين القوة. وتبرز روسيا في هذا السياق كطرف يسعى إلى تثبيت موقعه داخل نظام دولي غير مستقر، ما يجعل المنطقة أكثر ارتباطًا بالتحولات الجيوسياسية الكبرى التي تعيد تشكيل العالم بأسره.
https://www.washingtoninstitute.org/policy-analysis/moscow-and-middle-east

